تسجيل الدخول
التصميم كفرع من المعرفة من  السبت, 11 آذار/مارس 2017 10:32

     التصميم كتخصص أكاديمي وكفرع من المعرفة لازال ناشئًا مقارنة بالتخصصات الأقدم التي طورت مفهومًا مشتركًا وبناءً داخليًا متماسكًا من حيث نظرياتها ومنهجياتها وطبيعة أبحاثها. 

    فالتصميم في طور يعمل الباحثون في صياغة أساسه النظري وتحديد تاريخه الأكاديمي وتوضيح طبيعته المختلفة عن الفروع المعرفية الأخرى التي قد تختلط معه في بعض جوانبها كالفنون الجميلة أو العلوم الإنسانية. فقبل أن يعرف مجال التصميم كما نعرفه اليوم كان معنيًا بالتصميم الهندسي أو التصميم الصناعي والتخصصات العلمية والتقنية، وطالما ناقش الباحثون فصل التصميم عن تخصصات العلوم وعن تخصصات الفنون إلى أن بدأت تخصصات التصميم الحديثة بالتمحور تحت مظلة مستقلة تدعى "التصميم"Design as a discipline كفرع أكاديمي له أسسه النظرية ومنظوره العلمي ومفاهيمه الخاصة التي تميزه عن الفروع الأخرى. ولازال التصميم بطبيعته التي تعنى بالمجتمع يميل لأن تكون أبحاثه متعددة التخصصات من أجل أثر اجتماعي أقوى, ولذلك لازالت الأسئلة حول طبيعة بحاث التصميم وكيفيتها تناقش وتدرس, فضلاً عن أن المراجع في ذلك لازالت محدودة نسبيًا.

أحد تعريفات التصميم هو أنه "الذي يربط الإبداع والابتكار. إنه يشكل الأفكار لتصبح مقترحات عملية وجذابة للمستخدم أوالعميل"١. وقد عُرِّف التصميم الجيد بأنه "الذي يأخذ في الاعتبار العلاقة بين الناس والتصاميم كمنطلق، وأن يعبر عن فردية المنتج المعني من خلال تصميم مناسب". أحد التعريفات الحديثة للتصميم هي "أنه نشاط معين قادر على إعطاء خواص معينة للعمل الإبداعي المتوقع الذي ينشط إدراك معين لدى المستخدم "١. أعمال المصمم هي نوع من المعرفة تتضمن طريقة تفكير المصمم، وتقدم رسالة يتمكن غيره من المصممين من فهمها والبناء عليها لصنع تصميم جديد يحمل رسالة جديدة. مفهوم التفكير الضمني الذي يقدمه العمل هو الذي يميز التصميم ويدخله ضمن فروع المعرفة بحيث أن التصميم يخرج ما يسمى "بالمعرفة المضمورة" أوtacit knowledge التي لا يمكن إيصالها بالتعبير اللفظي٢. كثير من الباحثين أكدوا على جانب مهم في التصميم وهو "الممارسة المنعكسة"reflective practice أي أن التصميم كممارسة وكبحث يمر بدائرة من الخطوات وليس في خط مستقيم فعملية التصميم هي دورة من التصميم ثم التأمل وتطوير التصميم ليعكس نتيجة الأفكار الجديدة ثم تكرار هذه العملية للوصول للناتج النهائي٣. الأهمية وراء الإجابة على سؤال ما هو التصميم؟ بأننا لن نكون قادرين على تعريف أساسيات التخصص الأكاديمي وتحديد ما يجب وما لا يجب أن يتضمنه دارسة التصميم إلا بفهم مشترك وموحد للإجابات المحتملة.

     الأمر الذي يجب أن نتفق عليه كمجتمع أكاديمي لمجال التصميم الناشئ بشكل عام – وفي الجامعات السعودية بشكل خاص- هو أن نفرق بين المصمم "الممارس للمهنة" والمصمم "المتخصص أكاديمياً" في مجال التصميم. فالتصميم كتخصص أكاديمي يجب أن لا يكون بالأساس تجهيزاً لممارسة مهنة, أو يكون تدريباً على مهارة معينة يحتاجها سوق العمل, وإنما يجب أن يعرف من خلال قيم التعليم الجوهرية من حيث أن المتعلم يتميز عن غيره ليس بكمية ما يحمل من مهارات وإنما بكمية ما يمتلك من معرفة. "أن يكون المرء متعلماً يشمل معرفة ماذا ولماذا، إضافة لمعرفة الكيف"٤. هذا المنظور يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في تخصصات التصاميم والفنون بالذات حيث أنها ترتكز على الممارسة وعلى المخرجات العملية.

فمن أجل أن يصنف التصميم كجزء من التعليم العام لابد أن يكون ما يدرس في تخصصات التصميم وطريقة تدريسها تنطبق عليه هذه المعايير فلا يتمكن الطالب من التصميم الجيد فحسب وإنما يتمكن من شرح المنظور المعرفي المتعلق بهذا التصميم. وهذا ما يميز المتخصص عن الممارس الغير قادر على التعبير عن عمله بطريقة ذو معنى. التركيز على التصميم كممارسة في التخصص الأكاديمي لن يميزه عن معاهد التدريب والتعليم الذاتي لمهاراته, وستصبح درجة الاهتمام بالأبحاث في حقل التصميم أقل بالمقارنة مع التخصصات الأخرى كما هو حاصل في واقعنا الحالي. وإنما يجب أن يكون التركيز على التوصل لأهداف "معرفية" كتحديد مفاهيم أو معايير تصميم معينة أو مقارنة طرق التصميم أو مخرجاته من خلال "ممارسة" عملية التصميم لإنتاج حلول عملية. فيتعلم المتخصص طرق التصميم العلمية بالإضافة للمهنية التي تؤهله لكلا المجالين. يجب أن يحمل خلفية من المعرفة تشمل المبادئ والنظريات في مجال التصميم التي يستخدمها في السياق العملي. فبمشاركة هذا المنظور كمجتمع تصميم أكاديمي سنتمكن من تكوين أهداف مشتركة وأسس واضحة لمناهج التصميم ومحتواها وطرق تدريسها في أقسامه المختلفة لكي تكون مخرجات هذا التخصص ليست فقط مؤهلة مهاريًا وإنما مؤسسة علمياً لتساهم في بناء المعرفة عملياَ وبحثياَ في هذا الحقل الأكاديمي المعاصر.

* المراجع:
1. Maiocchi, M. (2015) Design as Evolutionary Discipline. Springer International Publishing. p.5–10.
2. Cross, N. (2006) Designerly ways of knowing. London, Springer London.
3. Grand, Simon; Jonas, Wolfgang; Ralph, M. (2012) Mapping Design Research. Wolfgang; (Eds) Grand, Simon; Jonas (ed.). Birkhauser.

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
هيفاء عبدالرحمن الحميدان

محاضرة في جامعة الأميرة نورة، وطالبة دكتوراه في جامعة لفبرا في تخصص التصميم التفاعلي

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2017