لكن لأن المطلوب أكبر من نظرية العيش والبقاء، بل هو الخلافة والعمارة الكونية بيد الإنسان والاستجابة لأمر الله. فسخر الله له جميع المخلوقات في السموات والأرض ومابينهما ليكون قادرا على عمارة الأرض. وظل هذا الإنسان بأديانه ومعتقداته ولغاته وآدابه وعلومه ورغباته وحركاته محلا للبحث والتنقيب بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.!.
وعندما انطلقت العلوم من إسارها الكهنوتي وتحررت لغة البحث من الأمراض والمخاوف والشكوك في ماهية هذا الإنسان ، استطاع الإنسان أن يدرك أهمية دراسة الإنسان . فنشأت العلوم الإنسانية منذ فلاسفة اليونان والأغريق بحثا عن الحقيقة ! وسبرت أنوار الوحي الكريم تلك الدراسات فقومت المنحرف وأقامت الحقائق على عينها، فاكتشف الإنسان من خلال نور الوحي حقيقة الإنسان ومنزلته في الكون وطاقاته ومهاراته وأدواته وأدبياته. قال تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}[الإسراء:٧٠].
وعندما افتتحت الكليات والجامعات في العصر الحديث كانت الدراسات الإنسانية لها النصيب الأكبر من الاهتمام بالكم والكيف سواء في مجال البحث العلمي أو الدراسات النظرية. وكان ينتخب أولا لهذه الدراسات والأبحاث المفكرون والمتعمقون الذين تمكنوا من ضبط الحقائق ويمتلكون القدرة على تحليلها والترقي في مدارج الكمال العلمي والإنساني . لكن كعادة الأمم والعلوم والحضارات الإنسانية نزلت بهذه الدراسات والأبحاث النوازل المعاصرة من الإهمال وتحشيد الطلاب الفارغين في مجالات الدراسات الإنسانية .
بل كان عدد الراغبين من ذوي العقول والنهى في التخصص في هذه الدراسات الإنسانية يتضاءل عاما بعد عام ، وأصبح الإجبار والتسيير في هذه الكليات لبعض الطلاب الكسالى والخاملين والمتبلدين - إلا قليل منهم-مرتعا خصبا لفنون اللهو واللعب والتنافس في التدني العلمي والبحثي ،
بينما ظلت الدراسات الإنسانية الغربية تتسابق للعلو والكمال ، فانطلق الغرب يمحص حقائق الإنسان ويدعو لها ويتدارسها ويخصص لها الأموال الداعمة لمراكز البحث العلمي ويشجع العلماء على الاهتمام بالتخصصات الإنسانية بالجوائز التقديرية السنوية في كل مجال يهيج الفكر الإنساني ويكتشف أسراره وعجائبه.
وماذا بعد؟
مع الثورة المعلوماتية السريعة وتبادل الثقافات وتصادم الحضارات لم يكتشف القائمون على الجامعات في الوطن العربي الخلل الكبيرالذي وقع فيما يتعلق بالداسات الإنسانية التي تأخرت سواء في الزمان أو المكان أو المحتوى ؟
والسؤال:
متى تعود للدراسات الإنسانية وعلومها وآدابها ولغاتها لعهدها الزاهر ؟
وكيف تعود؟
ولا أخال أي قارئ يعجز عن تصور الحلول وأساليب العلاج وحماية الإنسان من تغول الآلة عليه، واستشراف المستقبل للدراسات الإنسانية كتخصص بديع وعلم نافع غزير ، مما يهيأ للجيل القادم محتوى معرفيا ومنتوجاً علمياً يخوله لعمارة الأرض والتنافس في مضمار العلم .
والله أعلم.