تسجيل الدخول
ما يطلبه المتوحدون من  الخميس, 14 تشرين2/نوفمبر 2013 11:38

بقلم الدكتور محمد فاروق أحمد

شاء الله أن تكون رسالتى المقدمة للحصول على درجة الماجستير فى طب الأطفال بجامعة عين شمس مرتبطة بمرض نادر ومتفرد وغير معلوم ولا مسموع عنه لقطاعات بالكامل من النخبة أو العامة أو متوسطى الثقافة الطبية .. ولذلك قصة ، فقد انتقت لى مشرفتى الرئيسة موضوعاً شبه استثنائي ارتبط بمناقشتها لرسالة أخرى عن داء التوحد autism ، والذى يصيب الأطفال قبل انقضاء السنة الثالثة من العمر ..

ومن فرط اطلاع الأستاذة الشابّة قلباً المسنّة عمراَ – سبعون عاماً على أهون تقدير – أسرها المرض النادر وشغفت بجديده ومعلومه وآخر التوصيات العلاجية ونظريات التفسير وما شابه أو اختلف .. فى ذلك الوقت تزامن توزيعى على المشرفة الناشطة مع تنامى صعود منحنى اهتمامها بداء التوحد فكلفتنى باستقصاء الأبحاث الجديدة والتماس القياسات المعملية رهينة البحث والمفترض أنها تساعد على تقنين آليات جديدة للتشخيص خصوصاً مع غياب عرض واحد يتفق عليه المرضى أو الأطباء ، فلكل توحده وأعراضه المتفردة.. صحيح جداً أنه توجد أعراض وعلامات شائعة ومتكررة على مستوى المريض الفرد أو بين الأفراد المختلفين والمصابين بذات المرض ، غير أنه لا يستطيع عالم ولا طبيب الجزم بعرض ثابت أو قطعى يؤدى ظهوره بالضرورة لتشخيص نهائى وحاسم كما فى أمراض أخرى .

فقد يكفى مثلاً سماع لغط قلبى من نوع ما لتشخيص إصابة صمامية قلبية ، أو وجود ثقب قلبى بطينى .. بينما هناك إطار عرضى وعلامات شبه موحدة قد لا يحيد عنها مريض فقر الدم "الأنيميا" .. ولتشخيص داء السكرى فإن قياساً معملياً لمنسوب سكر الدم يعد معياراً معتمداً للتشخيص أجمع عليه جمهور أطباء العالم ، أما فى حالتنا هذه فإن الضالة غائبة والعرض المعتمد منقوص أو مبتسر .. والصورة السريرية – الإكلينيكية – للمرضى يغلب عليها التنوع والتقلب والانقسام الفردى والمجموعى .. الأمر الذى دعا علماء التصنيف إلى تجميع وتكثيف أنماط مختلفة للتوحد تحت عنوان مرجعى موسوعى "أمراض الطيف التوحدى " Autism Spectrum Disorders تتباين تحته وتتلاقى صور ومصفوفات كاملة لحالات كلاسيكية ومتراكبة وبعض أونصف أو كل توحدية ، ناهيكم عن أعراض سلوكية يصعب وصفها توحداً بذاتها أو تعريفها دون إدراج المتلازمات المرضية المصاحبة والتى تجتزئ أو تجمل بعض أو معظم أعراض التوحد بشكل يصعب الفصل فيه أو التنبؤ بميكانيكية حدوثه.

التوحد مرض نفسى منشؤه اضطرابات عضوية مخيّة وفقاً لآخر جديد البحث العلمى .. يصيب الطفل ويلازمه على مدار حياته ، الطفل المتوحد ينمو ليصير بالغاً متوحداً .. زوال المرض مرهون بالموت أو التوصل لعلاج السبب ، وآخر إشعارات الحاضر أن السبب أو مجموعة الأسباب مجاهيل وبالتالى فالعلاج مجهول تعليقاً على مجهولية السبب.

ينفر البعض من ترجمة الاسم على أنه توحد ويصرون أن "الذاتوية" هى المترادفة الأدق والتى تعنى استغراق الطفل فى حالة من الاتغماس النفسى الذاتى بشكل طاغٍ ومعيق بالكلية عن التواصل الاجتماعى والاندماج الفكرى التفاعلى .

الذاتوى رهين داخله وحبيس نفسه ويتعايش فى إطار ضيق مكرور ونمطى من الطقوس النفسية أو السلوكية والتى تلهيه أو تعميه عن الاتصال بالموجودين والتفاعل معهم.
كثير منا يربطون المرض فى ذهنهم بالفيلم الأمريكى الأشهر "رجل المطر rain man " ، والذى توحد فيه الممثل " داستين هوفمان" مع الدور الذاتوى فأداه باستثناء فائق ، والتسويغ الممكن لهذا الأداء هو أن البطل قد تمارض ماراً بطور أستطيع تسميته بالاستوحاد – طلب التوحد- حيث أقام الرجل شهراً كاملاً قبل التصوير فى مصحة نفسية للذاتويين ، ومنها إلى التصوير .. ثم ينتهى العمل فيحتاج الممثل إلى مصحة عكسية ليتداوى شخصياً من أوجاع التقمص التوحدى ، لكن التعافى هذه المرة استلزم ثلاثة أشهر كاملة للعودة إلى النقطة الصفرية.

القصة معلومة وحقيقية لكن مصطلح الاستوحاد ليس مسبوقاً ولا علمياً وإنما هو فقط للتقريب أو تحليل الأداء المدهش مع قليل من خيال الكتابة.

ثمة إدراكات تغيب عن أذهان المتوحدين أو الذاتويين وتفاصيل بالجملة لا تشغل لهم بالاً ، المتوحدون لا يندهشون غالباً ، وقليلاً ما يبكون أو يضحكون ، ولا يتكدر مزاجهم إلا فى حالة خرق التابوهات النفسية أو الطقوس الروتينية .. غالبهم تراه فائقاً أو عبقرياً فى مهارة واحدة ، قد يضاهى بعضهم الحواسيب فى العمليات الرياضية المعقدة ، أو يناطح عدد منهم قامات عمالقة الفن أو التشكيل أو العزف ، ويبقى التحدى رهن استكشاف بؤرة العبقرية ومكمن النبوغ والذى قد يشكل تسرية وتعزية أخيرة لرعاة المريض والقائمين بأمره.

فى نظريات التفسير تجد الأعاجيب ، فلايزال اليقين فى سبب بعينه أو حتى عدة أسباب غائباً والافتراض سيد الموقف .. فى تجربة أجراها علماء لإثبات المنشأ الرحمى للمرض دللوا على فرضيتهم بأن المرض يبدأ فى الأجنة نتيجة ارتفاع مادة كيميائية تحدث تدميراً وتلفاً غير انعكاسيين فى دوائر وكهربية المخ.. وحقنوا فئران جنينة بهذه المادة ثم درسوا التغيرات السلوكية المستجدة على الفئران بعد الولادة فوجدوا تشابهاً ملحوظاً مع سلوكيات الأطفال المتوحدين ، ما يمكن تسميته هنا بالتوحد التجريبى.

افتراض آخر يعزى السبب إلى التسمم الزئبقى للأمهات الحوامل – الرحم أيضا- واستدلالهم مبنى على شيوع المرض بدرجة أكبر فى بلدان تعتمد على المأكولات البحرية مثل اليابان .. وهذه الأطعمة ملوثة بالزئبق الناتج عن مخلفات السفن والحاويات العملاقة.. نظرية أخرى تراجعت مؤخراً - وإن سادت لفترة – تربط بين مرض التوحد وحوافظ كيميائية معينة فى بعض تطعيمات الأطفال دون السنة الثالثة من العمر، وتظل الافتراضات دائرة يحتجب بعضها ويترسخ البعض بتدفق الأبحاث وسيل الدراسات والتى أشارت أخيراً إلى أن المرض يرتبط بمجموعة عوامل متراكبة وليس عاملاً أو متغيراً وحيداً ، وإن كان للجانب الوراثى ركن أصيل فيها.

قد يبدو ملحوظاً من الانطباع الأولى لدراسة المرض فى مصر أن التوحد مرض النخبة أو الدرجات العليا من السلم الاجتماعى والطبقى ، وهو انطباع مكذوب لأن المذكورين من أساتذة جامعيين ومهندسين وأطباء هم المعنيون أكثر من طبقات أخرى بالصحة النفسية للطفل واستجلاء ما وراء الأعراض وصولاً للتشخيص المبكر والمطلوب جداً على أيدى كوادر طبية مدربة وخبيرة ، والمشكلة فى الطبقات الأفقر والأدنى – دخلاً وثقافة- ذات شقين : أولها نكوص الأهل عن مراقبة الطفل ومواكبة متغيراته السلوكية وتأخره الذهنى والحركى ، وثانياً : حتى عند تمكن المرض إلى حد يصعب معه التجاهل فإن التوجه غالباً يكون فى إطار محدود من الرعاية الصحية النفسية القاصرة بدرجة عن الوصول للتشخيص ، والناتج الكارثى هو تصنيف خاطئ وظالم لهؤلاء الأطفال فى خانة سهلة ومريحة هى خانة "التخلف العقلى" وهنا يرفع الأهل أياديهم عن الوصاية والكفالة على اعتبار أن المتوحدين "مهاويس" أو "مجاذيب" ، وهو تصرف يخلو من المسئولية ويرفع الحرج عن أهليهم بذات الوقت لأن المرض الجاهز والمحال إليه هنا لا يُرتجى شفاؤه إلا أن يشاء الله.

هذه الدائرة غير المنكسرة تلقى بمريضنا فى حالة من التيه المركب والانتكاس الموصول ببقاء الأسباب المتقدم ذكرها .. فغالب أهل التوحد عاديون وطبيعيون قياساً على معدلات ذكائهم ، بل ومنهم الفائق والعبقرى ، وبعضهم متوسط الذكاء أو فوق المتوسط ، وأقلهم يعانى تأخراً ذهنياً .. مقياس الذكاء هنا هو الحكم الفاصل .

إلى أى حد نفوسنا معبأة بدهشات لا تنتهى ، ولأى مدى موالجها عميقة بغير شطآن ولا مراسى ولا استراحات ، الإبحار فى أعماقنا عسر ومبهم ودواخلنا لا تزال تفيض علينا بقليل من كثيرلا نعلمه ، الطفل المتوحد لا يبادلك التحية بمثلها ولكن حال إشارتك إليه ملوحاً بباطن كفك يلوح لك بظاهر كفه مؤكداً قصوره الإدراكى والتفاعلى .

الذاتويون يرسمون وجوهاً بغير أعين ودون أفواه وهذا قيد التفسير لكنّ المجتهدين أفتوا بأن وراء العجز عن التواصل خللاً إدراكياً مرتبطاً بانعدام رؤيتهم للأفواه أو للأعين أو لأحد نصفى الوجه العلوى أو السفلى .. التوحديون فقراء فى لغة العيون ويفتقدون منطقية التفكير التسلسلى ، حيارى فى استنباط نتائج من مقدمات وبالعكس .. نظرية العقل والاستنتاج غائبة بينما الذات تحتل الصورة والظلّ والخيالات والظنّ .. يظل العلاج السلوكى مع التثقيف الصحى للأبوين خطاً رئيسياً للتداوى بينما تتأخر العقاقير إلى ذيل الخيارات المتاحة مقتصراً دورها على الحدّ من الأعراض النفسية المصاحبة أو التخفيف من ضراوة الأعراض التوحدية.

الذاتويون المتوحدون مساكين ومبتلون ومنقهرون بمحض الإرادة والاضطرار ، لا يقرأون الأخطار ولا يعنيهم الحذر ولا يعرفون الرتابة بينما يتشرنقون فى قلب الملل ، ما أوجب الشكر علينا لله أن منحنا تمام العقل ، وسلامة الأدمغة .. واستقامة كهربية المخ ودوائره .

المتوحدون لا يعلمون ما نحن فيه من النعيم والشقاء بالعقل ، لا يتصلون بداخلنا ولا يعنيهم خارجنا ولا خارجهم ، هم فقط متاحون بالداخل وبالذات وفى بطن ال "أنا" بغير أنانية مضمرة ، يظلون بداخلهم.. نتمنى عنهم بالوكالة أملاً للخروج من أنفسهم وعليها إلينا ، عالقون برقابنا مجاهرون صمتاً برغبة داخلية فى الخروج لا يفهمونها أبداً ، ولا نلتقطها .. فالحمد لله الذى عافانا وجعلنا بينهم ، حولهم ، وليس منهم .. كما أنّهم فينا وليسوا منّا .

الكاتب في سطور:

د.محمد فاروق أحمد
حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة جامعة عين شمس 
ماجستير طب الأطفال جامعة عين شمس
يحضير الزمالة البريطانية لطب الأطفال
كاتب للعديد من المقالات  في عدد من الصحف وله العديد من الكتب الطبية المترجمة 
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)
الكاتب الزائر

الكاتب الزائر هو كل كاتب تقبل إدارة الأكاديميون السعوديون بنشر مقال له دون التزام من موقع الأكاديميون السعوديون بالنشر الدائم له أو إعطاءه ميزات كتاب الموقع، ودون التزام من الكاتب بالكتابة الدورية للموقع.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2017