فكان المنهج المتبع في الرسالات السابقة يعني بتحديد حركة العقل البشري، وتولى الأنبياء والمرسلين بالإجابة عن جميع التساؤلات المطروحة في زمن الأنبياء، والتي كانت يضطرب بها العقل البشري مثل ولادة المسيح عيسى عليه السلام من أم من غير أب، وماتضمنته نبوته من معجزات عظيمة تناسب حال أهل زمانه وتدعوهم إلى التوحيد واليقين دون إثارة للعقل الكريم أو التفاضل في العلم، بل كان ما وصل إليه العقل في الديانة النصرانية هو الرهبانية ، وهي طريقة للتأله وتحريم المنافع الحسية الفطرية، قال تعالى: " ... وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ..."(1).
وما كانت الاستجابة الكريمة لطلب القوم من بني إسرائيل بإنزال المائدة من السماء إلا دليل على محدودية العقل الإنساني في تلك الحقبة الزمنية، وأقصى مطالبهم كانت إشباع الحاجات الفطرية دون إدراك لماهية العقل وحاجاته المتجددة من العلوم والمعرفة. فكانت إثارة انتباه العقل الإنساني في القرآن الكريم في مجتمع أمي جاهلي تتخاطفه الهموم والحروب وضياع الحقوق وفشو الجهل، فكانت نعمة العقل بإعماله وتأهيله التأهيل المناسب، لكي يقوم بالواجب الإنساني، وهي الخلافة في الأرض، وليكون شاهدا معرفيا إلى قيام الساعة، فكان من بين هذه النعم التي حبانا الله بها نعمة العقل وتطويره وتمكينه من الأدوات المناسبة لتحريره من قيود الجهل والتخلف.
ولا يخفى على كل قارئ مدى العناية التي حضي بها العقل في ديننا الحنيف فقد جُعل مناط التكليف، ومدح الله العاقلين أولي الألباب والنهى في أيما موضع من كتابه العزيز، بل ولا يوجد دين اشترط العقل في التكليف إلا الإسلام.
ومع انفجار الثورة المعلوماتية في العصر الحديث ، وتسخير الطاقات التقنية والعلمية لخدمة البشرية، والتنافس على التنمية المستدامة وتحقيق رضا العقول، كان هذا العقل ببديع صنعه وتفاوت خلقه منظارا عجيبا للإنسانية في أجمل الصور .
(1) سورة الحديد، آية 27.
