مع كل يوم يمر الآن يحضرني شعورٌ غريبٌ مشابهٌ لذلك الذي انتابني من قبلُ في أول أيام الوصول لـِبلدِ الغربة بل إنه يفوق ذلك الإحساس بمراحل ، إن إحساس الصدمة الحضارية "العكسية" يكاد يرافقني مع كل صفحة جديدة أقرؤها في كتاب أو مقال علمي أو بحث جديد فتصبح جزءاً من ذكريات الغربة، تلك الغربة التي أشعر مع كل العقبات التي واجهتني فيها و كأنها حلمٌ جميلٌ (وبكل صدق) أود أن لاينتهي ! يكمن فارقٌ كبيرٌ بين مشاعر الوصول و تلك المصاحبة لفكرة العودة هو أنني عندما وصلتُ إلى كندا كنتُ أفتقر للكثير مما يعرفه الكنديون في تخصصي و أجهله أنا و قد استغرقتُ وقتاً طويلاً وجهداً كثيراً و ليالٍ طوال لتعلُّم مجاراتهم فيما يصنعون، أما في حال العودة فأخاف أن أفتقد الكثير مما عرفتُ أو أن يسبقني ذلك الرّكبُ البحثي الذي صاحبتُه طوال فترة الغربة، و ربما لن تأتيني الفرصُ مواتيةَ (بعد عودتي للتدريس) لمجاراتهم أو حتى العمل معهم من جديد.
أهابُ العَوْدَة كطالبةِ علم لا تكبُرعلى العلم فقد اعتادت أن تتعلم كل يوم شيئاً جديداً لتواكب المستجدات في تخصصها. كلُّ مصادر العلم هنا متاحة أمامها من مكتبات ،خاصة بالجامعة و أخرى عامة في كل حي من أحياء المدينة، كتب حديثة ، برامج إحصائية متطورة ، دورات وورش عمل أكاديمية، هذا فضلاً عن أن البيئة و كل من فيها يتقنون هذه الصنعة والذين لا يبخلوا أبداً بتقديم المساعدة في حال معرفتهم بها ، بل إن شغلهم الشاغل هو نقل هذه المعرفة لمن يحتاجها و غالباً لايستغرق ردهم على إيميل واحد بعشرات الأسطر أكثر من ساعة أو 24 ساعة في حال طالت مدة انتظار الرد.
أهابُ العَوْدَة كباحثةٍ اعتادت البحث والتنقيب في مدارس العلم هناك وهناك ثم تطرح الفكرة و تجدُ من يرحّب بها و يشجعها على نقلها إلى حيز التنفيذ فالميزانية مخصصة لكل مشرف دراسي لدعم أبحاث الطلاب و المعامل مُهيّئة للتطبيق و المجلات و المؤتمرات العلمية متاحة للمشاركة و النقاش و نشر المعرفة و كل ماتحتاجه هو العمل على خطة البحث وخطواته لترى ثمرات البحث تظهر للوجود.
أهابُ العَوْدَة كأُم اعتاد أطفالها القراءة حتى أصبحت الكتب رفيقهم الأصدق بين ساعات يومهم و في رحلات سفرهم الطويلة ، و لا أجمل من بيئة مدرسية كانت هي المحفز الأول في غرس تلك المفاهيم وغيرها مما يشجّع الأطفال على حب العلم و إرضاء رغبتهم الطفولية في الاستكشاف منذ نعومة أظفارهم.
أهابُ العَوْدَة كزوجةٍ عاملة اعتادت تقسيم مهام العمل في منزلها بينها وبين أطفالها و زوجها فهذا يُحضّر طاولة الطعام و ذاك يغسلُ الصحون والآخر يجهزالنفايات في أكياسها المخصصة لإعادة التدوير بكل حب فلا عيبَ اجتماعي يقفُ عائقاً أمام هذا التقسيم فالكلُّ هنا يذهبُ للعمل أو الدراسة و الكلُّ هنا يشارك في أعمال المنزل طالما هو فردٌ في هذه العائلة بغض النظر عن عمره و جنسه، في الوقت الذي لم أكن أتخيل فيه نفسي قادرةً على الصمود في الغربة و لو ليومٍ واحدٍ بدون "عاملة منزلية" تقوم بكل أعمال المنزل عنّي و عنهم فتبقى الزوجة زوجة و الزوج زوجاً و الأطفال أطفالاً لايتدخل أحدهم في عمل الآخر، و لا أعلم حقيقة كيف سيكون وضع عائلتي بكاملها عند العودة.
صورُ الهيبةِ من العودةِ كثيرة و لعل المساحة المخصصة للكتابة هنا لاتسمحُ لي بمناقشتها كلها أو ربما لن تسعفني الكلمات و لا المشاعر للتعبير عنها ، مع كل ذلك يبقى الأمل الأكبر الذي "لا" يجعلني ولو للحظةٍ "أهابُ العودة" و هو نفوس الشابات التوّاقة للعلم ، تلك النفوس التي من أجلها تغربت ، تلك العقولُ التي لم تتح لها فرصة التعرف على المميزات العلمية و البحثية الموجودة عند الغرب ، تلك الأجيال التي أعلم يقيناً أنها مُتعطّشة لمعرفة كل صغيرة و كبيرة أعرفها و سأعرفها مستقبلا،ً و التي سأسعى جاهدة و بكل ما أعطاني الخالق من قوة أن أوصلها لهنّ في أبهى حلة و أجمل صورة، حينها لن تقفَ تلك الهيبةُ من العودة في طريقي بل سأنطلق من مخاوفي مع طالباتي لتحقيق كل ماكنّا نحلم بتحقيقه، سنطالب بميزانيات أبحاث و بتجهيز معامل و بإنجاز دراسات ومشاريع بحثية تنافسُ تلك التي كنتُ يوماً أهابُ من عدم القدرةِ على مُجاراتها.
لماذا أهابُ العَوْدَة ؟!
ها قد مرتْ السنواتُ سريعاً و قد شارفتْ سنتي الأولى في الدكتوراة على نهايتها، أكثرُ من أربع سنوات مرّت منذ بداية البعثة و لم أشعر بها ربما لأنني لم أفكر قبلاً بكيفية مرورها بينما كنتُ منشغلةَ بمحاولة استدراك مافاتني في بحر العلم و التقاط كل مايمكن أن يجعلني قادرة على المواصلة في الغوص في أعماق بيئةٍ أكاديميةٍ بحثيةٍ مختلفةٍ تمام الاختلافِ عما نحنُ معتادون عليه في تعليمنا.
إرادة حمد
معيدة بجامعة الملك عبدالعزيز ، مرشحة لنيل درجة الدكتوراة في تخصص القياس و طرق البحث في علوم الصحة و إعادة التأهيل - مقاييس و أبحاث الشيخوخة - بجامعة وسترن أنتاريو ، كندا
باحثة بحُلُم جيل يرتقي بأُمّة .. علّمتني الغربة أن أصنع من مُرّ التجارب مذاقاً حلواً .. قدوتي صناعةُ حضارة بالعلم و البحث ستعود يوماً !
-
البلد:Canada
K2_LATEST_FROM_VIDEO إرادة حمد
- للأكاديميين و الباحثين الناشئين: ٥ نصائح لبناء شبكة علاقاتك الأكاديمية
- الجديد في تدريس الإحصاء ٤ من ٤: المقرر الفعّال كآداة تعلم و تحفيز
- الجديد في تدريس الإحصاء (٣ من ٤) : هرم بلوم المُعدّل و تطبيقاته في تعليم الإحصاء
- الجديد في تدريس الإحصاء (٢ من ٤) : دروس الإحصاء المصغرة و نموذج "B.O.P.P.P.S"
- الجديد في تدريس الإحصاء (١ من ٤): المؤتمر الإلكتروني لتدريس الإحصاء
Leave a comment
Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.
