التنمر..المعاناة الممتدة و الخفية

التنمر..المعاناة الممتدة و الخفية Written by  Monday, 08 June 2015 06:35

 

أقدم طفل يبلغ من العمر 13 سنة على الانتحار تاركاٌ خلفه مذكرة قال فيها : إنه دائما ما كان يضطر أن يدفع للمتنمرين مبالغ كبيرة من المال و إن لم يعطهم المبلغ المطلوب فإنهم يضربونه و يرفسونه مرات عديدة و  يضعون وجهه في الماء , و لأكثر من سنتين أعطاهم ما يقرب من 8000 دولار أمريكي. Morita et al.,1999

يؤسفني أن تكون بداية موضوعي بقصة مأساوية كهذه و لكني اخترت أن أبدأ بها ليصل للبعض الذي لا يتصور حجم مأساة التنمر الآثار الخطيرة على الضحية التي قد أوصلت بطفل صغير لوضع حد لحياته و إقدامه على الإنتحار ,إنها مشاعر الحزن التي تطورت إلى الاكتئاب و الشعور بالدونية والألم النفسي بسبب التهديد المستمر و العنف بشتى أنواعه هي شريعة الغاب التي تجعل الضعيف لقمة سائغة للقوي المتسلط ,و لأن الانتحار خيار مطروح في اليابان فقد وجد الطفل حلا لمأساته ,و لكن بمجتمعنا ماهي الحلول التي قد يلجأ لها ضحية التنمر ؟

بالسنوات الأخيرة تم الانتباه إلى أن التنمر مشكلة ذات أبعاد نفسية و مجتمعية ممتدة التأثير على الرغم من تفشي وجودها بمدارسنا و مؤسساتنا التعليمية إلا أنه لم يتطرق الكثير لطرح هذه المشكلة و دراستها بشكل مستفيض بل أن أغلب الدراسات و الأبحاث تم أخذها من الغرب حيث لفتت هذه المشكلة انتباه المربين هناك منذ وقت مبكر .

و قد يرجع تأخرنا بالانتباه لهذه المشكلة لعدة أسباب : من الممكن أن تكون ثقافتنا الاجتماعية و عاداتنا كان لها دور في التأخير بإنكار المشكلة حيث أن البعض يرى بأن المتنمر يمتاز بقوة الشخصية و الشجاعة و تلقى بعض أفعاله استحسان من أفراد المجتمع بينما يكون هناك نظرة دونية سيئة للضحية بأنه هو المتسبب بأذى نفسه لأنه ضعيف الشخصية ولا يدافع عن نفسه بالشكل الصحيح الذي يصد الاعتداء عنه, فبعض الأفراد بمجتمعنا يميل إلى صف القوي و إن كان مخطئ ,هذه النظرة تساهم بتأزم الوضع وتجعل الضحية يفضل أن يعاني وحيدا على أن يبوح بمشكلاته فيتهم من قبل والديه و إخوانه بتلك الاتهامات .

أيضا يوجد خلطا كبير بين التنمر و العدوان وهذا الالتباس قد يقع به المختصين و لعلي أورد هنا بعض الفروقات لتساعدنا على فهم التنمر بشكل أكبر , فهو سلوك متكرر يوجه للضحية بشكل منتظم بقصد الإساءة و القهر وفرض السلطة و لو نظرنا للضحية وجدنا أنه لا يوجد توازن بالقوى بينه و بين المتنمر حيث يقوم المتنمر باختيار ضحيته بأن تتوفر به عوامل كضعف الشخصية و عدم القدرة على الدفاع عن النفس أو وجود اختلاف يميزه عن أقرانه مثل عيب خلقي أو أن يكون هناك اختلاف باللغة أو اللهجة أو الجنسية أو حتى المستوى الدراسي المتفوق.

أما العدوان فهو أعم و أشمل من التنمر فهو سلوك قد يوجه للذات أو للآخرين و يكون لفظي أو جسدي و كما أن العدوان موجه لأي شخص ليس بالضرورة أن يكون ضعيف الشخصية أو مختلف وقد لا يتكرر على شخص واحد وكذلك قد يحدث نتيجة موقف معين و ينتهي ,و قد يستمر بحالات أخرى مع أشخاص مختلفين .

 

  ماهي خطورة التنمر ؟

الخطورة تلحق بكلا الطرفين فالمتنمر خطره يطال الأفراد و المجتمع فقد ينقاد بعض المتنمرين إلى مسالك خطيرة تؤدي بهم إلى الجنوح و تعاطي المخدرات و الأساليب الإجرامية .

-المتنمر يظل يمارس تنمره و يتنقل من ضحية إلى أخرى لبسط سلطته بالمدرسة و قد يحصل مقابل ذلك على منافع جراء تنمره.

-نشر سلوكيات التنمر بين الناشئة حيث ينجذب لها المراهقين على أنها وسيلة للشهرة و بسط النفوذ و كسر القوانين.

 

أما بشان ضحايا التنمر فإن من يقع عليه التنمر يعاني نفسيا و اجتماعيا و تمتد هذه الآثار إلى المستوى الدراسي فهي تطال امنه النفسي و استقراره و تهز من ثقته بنفسه و قد تظهر أعراض لدى الطفل أو المراهق كالقلق من الذهاب للمدرسة و الاكتئاب و الرغبة بالغياب و ادعاء المرض و عدم مزاولة الأنشطة المدرسية و السرحان و الخوف من البقاء بمفرده نهاية الدوام المدرسي و البكاء و اضطراب المزاج و قد تتحول كل هذه الأعراض و تأخذ منحى الاضطرابات النفسية .

-ومن الجدير ذكره بأن التنمر يخلق جو مضطرب بالمدرسة حيث يصبح الجو التعليمي غير فعال على الإطلاق و تظهر مشكلات جانبية بالفصل و يتأثر بقية الطلاب بسلوك المتنمر إما أن يكونون بصفه و ينضمون لمجموعته اتقاء تنمره و إما يظهرون بالشكل السلبي كمتفرجين على ممارسة هذا السلوك العنيف ضد زميلهم بالفصل و عدم مقدرتهم تقديم المساعدة و تركه يعاني لوحده.

لقد شهدت عدد من المواقف لطالبات متنمرات كان أعنفها طالبة تعرضت لحملة من التنمر الإلكتروني من قبل زميلاتها بالفصل و كانت المعاناة ليست بالمدرسة فقط بل امتدت حتى نهاية الدوام المدرسي و بإجازة نهاية الأسبوع و قد كان الوضع متأزم جدا نظرا لتخفي زميلاتها بمعرفات وهمية و ألقاب مما جعل إدارة المدرسة تجد صعوبة بإنهاء التنمر بشكل سريع و قد تسبب هذا الموقف بالألم النفسي للأسرة بكاملها حيث كان خيار نقل ابنتهم إلى مدرسة أخرى حل مطروح إن لم تكف المتنمرات عن سلوكهن .

 

إزاء كل ما سبق ما هو واجبنا كمجتمع لمواجهة التنمر؟

-إقرار البرامج التدريبية بالمدارس و الجامعات و مؤسسات المجتمع و تدريب المعلمين و المرشدين و أولياء الأمور و الأطفال على الأساليب الصحيحة لمواجهة سلوك التنمر و إيقافه منذ شرارته الأولى.

-التوعية الإعلامية لهذه المشكلة و تناولها بالشكل المدروس من قبل مختصين و إبراز الآثار النفسية لها و السعي لتكوين فكر اجتماعي بعدم قبول التصرفات التي يقوم بها المتنمرون و تصنيفها بأنها نمط من أنماط السلوك العدواني الذي يجب أن يقوم.

-سن قوانين للحد من سلوك التنمر و بالأخص التنمر الإلكتروني.

-إعداد برامج موجهه للطفل بمراحل التعليم الأولي تهدف إلى التركيز على القيم الأصيلة بالمجتمع و احترام الحقوق و تقبل الآراء و الاختلاف و الاستخدام الآمن و الذكي لوسائل التواصل الاجتماعي.

-تدريب الأطفال على طلب المساعدة حين تعرضهم لأي أذى أو تعرض أصدقائهم لذات الموقف.

 

أما أولياء الأمور فتقع عليهم مسؤولية مباشرة :

-الحوار العميق الفعال مع الطفل و المراهق بشكل يومي فهذا يبني العلاقة و الثقة معه و يجعل آثار المشكلات أقل وقعا بسبب التدخل المبكر من قبل الوالدين.

-التواصل الفعال مع المدرسة و التبليغ عن أي سلوك يلاحظه الوالدين بالفصل عن طريق ابنهم و ما يردده لهم من أحداث تجري بالفصل.

- القراءة المستفيضة عن الموضوع و تعريف الأطفال به و الأساليب التي يستطيع بها الطفل او المراهق التعامل مع المتنمر.

-من المفيد إنشاء مجموعات دعم و مساندة بين أولياء الأمور لمناقشة أبرز المشكلات الصفية بالمدرسة حيث تعجز المدرسة أحيانا من ملاحظة أغلب ما يحدث بالفصل و خارجه لذا من الجيد أن يتواصل أولياء الأمور مع بعضهم .

-كذلك أرى أنه من المهم إكساب الطفل مهارات في كيفية الإبلاغ عن حوادث التنمر التي تقع على الآخرين و أن لا يكون طرف سلبي و مساعدا بصمته لأن ذلك يشجع المتنمر على التمادي .                                                                                           

لايزال عالقا في ذهني منظر ضرب مجموعة من الشبان و عددهم 5 لشاب واحد فقط و قد كان يهرب منهم خوفا و تفاديا لهجومهم إلا أنهم أمسكوا به و انهالوا عليه بالضرب وقد كنت أنا و أختي بصحبة والدي و استأذنت منه بالاتصال بالشرطة وقد سمح لنا بذلك بالرغم من أنه كان قادرا هو على الإبلاغ لكنه فضل بأن نقوم نحن بالفعل ذاته , لقد عزز فينا قيمة معنوية كبيرة بأن لابد أن أقدم إجراء تجاه ما أشاهده و ان لا أقف مكتوفة اليدين .

Rate this item
(4 votes)
أمل علي الغامدي

إخصائية نفسية , كاتبة , مدونة ,مهتمة بشؤون الطفل و أسعى للفت الإنتباه لمشكلة التنمر بالمدارس , من خلال عدة نشاطات , أطرح مشكلة و حلها كل ثلاثاء عبر وسم #مقهى_الأمهات

  • المدينة:
    الرياض

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

موقع الأكاديميون السعوديون © جميع الحقوق محفوظة 2020