ما شدّ اهتمامي حقيقة بل فاجأني خلال المحاضرة هو الأسباب التي دعتهم إلى إجراء هذه الدراسة و التي كان على رأسها انتشار ظاهرة الغش بشكل كبير و تنوع و سائل الغش بتطور التكنولوجيا و خاصة بين الطلاب الكنديين و تكاد تكون النسبة الأعلى بين طلاب دول قارة أمريكا الشمالية بنسبة تفوق حتى الطلاب الأمريكيين حسب ماذكر في أدبيات الدراسة و من الباحثين أنفسهم ! من الأسباب الأخرى أيضاً لإجراء الدراسة أن المرحلة الجامعية يمكن وصفها بالمرحلة المفصلية لتنمية و تثبيت المفاهيم الأخلاقية لدى الطلاب و هي ذاتها المرحلة التي قد يتعرض فيها الطالب إلى الكثير من الضغوط التي قد تدفع به في النهاية إلى الغش لتجاوز هذه المرحلة بطريقة أو بأخرى ، بعبارة أخرى : غشاشو "أو نزيهو" اليوم هم بالتأكيد قادة الغد !
مما أظهرته نتائج الدراسة أن هناك 6 سلوكيات للغش تقع في القمة (كثيرة الحدوث وشديدة الخطور) والقاع (قليلة الحدوث و أقل شدة من حيث الخطورة) و تتأرجح بينهما سلوكيات أخرى للغش كتلك المألوفة بين الطلاب للغش أثناء الامتحانات. من المفارقات العجيبة التي لاحظتها أن مايستقر في القاع لديهم قد يكون بالمقابل في القمة من حيث سلوكيات الغش لدينا في السعودية ، هذا إن لم تكن معظم سلوكيات الغش التي ذكرتها هذه الدراسة من قمتها إلى قاعها واسعة الإنتشار بين طلابنا ولم يرصدها بحث أو تحليل من قبل المختصين لدينا ، و سأترك للقراء الحكم و المقارنة بين البيئتين الأكاديميتين فيما سأستعرضه من سلوكيات الغش التي رصدتها الدراسة.
مما تربّع على قمة سلوكيات الغش لدى طلاب جامعة وسترن أونتاريو هو العمل الجماعي على تكليف دراسي أو واجب منزلي يشترط فيه العمل الفردي بنسبة حدوث بين الطلاب تصل إلى 48% حسب رأي الطلاب و 64% حسب رأي أعضاء هيئة التدريس. و يقوم الطلاب هنا بتقسيم فقرات الواجب ليحلها كل تلميذ بشكل منفصل ثم يجمعون الإجابات ويوزعونها فيما بينهم لتصل لمدرس المادة و كأن الطالب هو من أنجزها كاملة. 33% من الطلاب يرون بأنه سلوك خطير فيما 80% من أعضاء هيئة التدريس يرونه سلوكاً خطيراً جداً. يلي هذا السلوك ، في نسبة الحدوث و الخطورة ، الحصول على الأسئلة و الإجابات من أشخاص سبق و أن أدّوا الاختبار أو درسوا المادة من قبل ، أما السلوك الثالث و الأخير في هذه الفئة هو نسخ بعض الجمل من مصدر إلكتروني عبر الإنترنت دون الإشارة إلى المصدر أو صاحب الجمل المقتبسة.
من جانب آخر كان من سلوكيات الغش التي تقع في القاع ، و التي هي قليلة الحدوث بين طلاب جامعة وسترن أونتاريو ، تقديم واجب منزلي أو تكليف دراسي قام بإعداده شخص آخر للطالب حيث كانت نسبة حدوثه 1% حسب رأي الطلاب و 39% حسب رأي أعضاء هيئة التدريس ، و يعتقد 96% من الطلاب و 100% من أعضاء هيئة التدريس أنه سلوك خطير. يليه سلوك مقارب وهو تقديم واجب تم شراؤه أو الحصول عليه من قبل المواقع الإلكترونية المتخصصه بخدمة الطلاب وتقوم ببيع و إعداد الأبحاث و التكاليف الدراسية عوضاً عنهم. و حصل هذا السلوك على نسبة استجابة مشابهة للسلوك السابق من الفئتين ، و كان السلوك الأخير ضمن هذه الفئة هو تزوير الدرجات أو المعلومات الواردة ضمن كشوفات الدرجات أو السجلات الرسمية. و حصل أيضاً على نسبة مشابهة للسلوكين السابقة من حيث الشدة و الخطورة.
و من طرق الغش الحديثة التي انضمت لقائمة وسائل الغش و كشفت عنها نتائج الدراسة هو تعاطي بعض العقاقير(مثل تعاطي ريتالينRitalin أو أديرال Adderal ) بدون وصفة وطبية بغرض زيادة القدرة على السهرو الدراسة لفترات طويلة و التركيز أثناء الامتحانات ، حيث يتم بيع مثل هذه العقاقير بشكل غير نظامي حول أروقة الجامعة في فترات الامتحانات النهائية. وكانت آراء الطلاب و أعضاء هيئة التدريس متقاربة من حيث نسبة حدوثه بين 7 – 9 % بين الطلاب و نسبة خطورته كسلوك تتراوح بين 30 -39% حسب رأي الفئتين.
أما من ناحية علاقة الغش بالتعلم الإلكتروني ووسائل التكنولوجيا المتاحة حالياً فقد أبدى كلا الفئتين قلقهم حيال التطور التكنولوجي و علاقته بالغش ليس من حيث زيادة المشكلة أوعدد من يمارسون الغش و إنما قيام من مارسوا الغش من قبل باستبدال الوسائل التقليدية للغش بأخرى مبتكرة يدخل فيها استخدام أجهزة الهواتف المحمولة و غيرها من أجهزة إلكترونية لتخزين المعلومات عليها أو استعمالها بطرق غير مشروعة حين الحاجة لها.
كان مما أثار إعجابي أثناء هذه المحاضرة هو تقنية التصويت المتاحة للحضور من خلال أجهزة صغيرة كانت توزع على الحاضرين و يتم من خلالها اختيار أحد الإجابات حسب ماتعرض من أسئلة متوالية على الشاشة ، ومن خلال تقنية تحليل الإجابات إحصائياً و خلال ثوانِ معدودة أثناء المحاضرة يتم مقارنة نتائج الحاضرين بنتائج الدراسة المعروضة خلال المحاضرة ممايخلق بيئة تفاعلية للمشاركين من أعضاء آخرين في طاقم التدريس ربما لم يشاركوا من قبل في الاستطلاع ، و الأمر الذي قد يزيد كذلك من مدى صدق و ثبات نتائج الدراسة حيث وجد التشابه الكبير بين إجابات الحاضرين و النتائج السابقة التي حصل عليها القائمين بالدراسة المسحية.
أخيراً كان من توصيات الدراسة إيجاد و سائل معينة لدعم مفهوم النزاهة الأكاديمية في الجامعة وبحث سبل نشره بين الطلاب كالتوصية التي طالبت بفتح مكتب للنزاهة الأكاديمية في الجامعة أسوة بالجامعات الكندية الأخرى حيث إن إحدى تلك الجامعات كانت قد افتتحت مكتباً خاصاً لهذه المهمة بعد أن اكتشفوا تعاطي مجموعة من لاعبي فريق الجامعة لمنشطات قبل مشاركتهم في بطولة قامت بها الجامعة ، مكتب النزاهة الأكاديمية مهمته لاتنحصر في حالات الغش الأكاديمي فقط و إنما يشمل أيضاً حالات الغش في الرياضة كتناول العقاقير المنشطة و حالات الغش الأخرى في العمل أيضاً. في حين أوصى آخرون من الحاضرين بضرورة التزام أعضاء هيئة التدريس ببعض معايير المهنية كتغيير أسئلة الامتحانات و الواجبات الدراسية ووضع توجيهات محددة للطلاب لما هو مطلوب منهم و تذكيرهم بها في بداية الفصل الدراسي و تكرارها خلال السنة الدراسية كلما دعت الحاجة.
هم عرفوا سلوكيات الغش المنتشرة بين طلابهم ، رغم تقدمهم علمياً وبحثياً ، لأنهم بحثوا و أحصوا و بالتأكيد سيضعوا الحلول حتى لايتفاقم الأمر أكثر من ذلك ، المشكلة الكبرى أننا لم نبحث و لم نحصِ شيئاً و بالتالي لن نعرف العدد و لاطبيعة سلوكيات الغش لدينا و أسبابها و إن كنا نرى الظاهرة تنتشر أمام أعيننا و الأكثر مرارة من ذلك أن الأمر قد لايتوقف عند هذا الحد بل سيتجاوزه بمراحل فمن سيحتال لينجح اليوم سيحتال ليكون صاحب المنصب و قائد الفريق الأول غداً استحق ذلك أم لا !
