و الشيخ علي الطنطاوي في العصر الحديث يمثل أنموذجا فذا للقارئ الحاذق، فكانت قراءته ينبوعا من ينابيع ثقافته الموسوعية. يقول في ذكرياته :" قلتُ : ومن يقرأُ أكثر مني ؟ أنا من سبعين سنةِ إلى الآن ، من يوم كنتُ صبياً ، أقرأُ كلَّ يومٍ مئةَ صفحة على الأقل ،وأقرأُ أحياناً ثلاث مئة أو أكثر ، ما لي عمل إلا القراءة ، لا أقطعها إلا أن أكون مريضاً أو على سفرٍ ، فاحسبوا كم صفحة قرأتُ في عمري . لقد قرأتُ أكثرَ من نصفِ مليون صفحة وأعرفُ من قرأ أكثر مني كالأستاذ العقاد والأمير شكيب أرسلان ومحمد كرد علي ومحب الدين الخطيب رحمهم الله ".
ومن يقرأ في سير العلماء والمفكرين سيجد كما هائلا من القصص والأحداث الدالة على عنايتهم بالقراءة، والانتفاع بها، حيث كانت سبيلاً للاستزادة من العلوم الجديدة، وملاذا لهم إذا داهمتهم الهموم، وهواية أدمنوها إلى حد انزعاج محيطهم بعزلتهم ، وانكبابهم على الكتب ، ولهثهم وراء الجديد في عالم الكتب.
إن القراءة اليوم بقيت حاضرة في ثقافة الأمم المتقدمة، وهي أصناف ، فمنها : قراءة التسلية، وقراءة التثقيف، وقراءة الانتظار، والقراءة البحثية، ولكل لون من ألوان القراءة مايناسبه من كتب ،ووقتٍ، ومستوى تركيز، والحديث في هذا يطول، غير أن مايعنيني –هنا- هو القراءة البحثية، التي تعتمد على الاستقصاء، والتركيز، وتكرار القراءة للكتاب، واستخدام القلم الرصاص للتعليق، وغير ذلك من أبجديات تعين الباحث على الاستفادة مما بين يديه من كتب.
إن القراءة البحثية تنبع من حاجة القارئ إلى تحقيق مسألة ما، أو النظر فيها، أو مناقشتها وفاق منهج علمي للاستنباط، والتدليل، وهنا يجد الباحث أنه محتاج إلى القراءة، والبحث عن المصادر والمراجع التي تعينه على تحقيق مراده، فليبدأ باستقراء المصادر والمراجع، وترتيبها حسب الأهمية، والاقتراب من قضيته البحثية، إثر ذلك سيحتاج الباحث إلى جو هادئ مركّز، يستطيع من خلاله أن يقرأ بدرجة تركيز عالية، ولابد أن يستوعب الفكرة في المصدر كاملة، وقد يخطئ بعضهم ، فيقرأ جزء ويترك جزءاً ، وربما يكون فيما ترك رأي آخر، أو دليل مهم، ولذا فنبذ الاستعجال منطلق مهم لهذا اللون من القراءة.
كما أن اصطحاب قلم الرصاص، وأوراق خارجية مهم للباحث، وإن شاء فليصور مايريده من مسائل، ومقالات، ثم يكسوها بتعليقاته واستنتاجاته، فربما طرأت على الباحث فكرة ، وطلبها فعزَّت عليه، وتدوينها قيدٌ لها .
ومما يحتاجه الباحث في القراءة البحثية أن يكرر القراءة، فربما ظهر له شيء، ووجد خلافه في القراءة الثانية، ولعل استشارة ذوي الخبرة ، والمتخصصين تسهم في رفع بعض إشكالات القراءة ، وتوضح الغامض، وتزيل المبهم.
ومن الأمور التي لابد من الإشارة إليها في بعض التخصصات أن طبعات الكتاب ، وتحقيقاته، وتعليقاته قد تتغير، فالمرور السريع على الطبعات، واستشارة المتخصصين قد تختصر عليك وقتاً وجهدا.
إن القراءة طريق للتعلم، ومنارٌ للتثقيف، ومتعة يجد فيها القارئ سياحة لايشعر بلذتها إلا من جرّب ، وعاش مع الكتاب، فكان الكتاب أنيسه في الوحده، وقائده في الظلمة...وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
