وأحسب أن تجربة الابتعاث ليست محصورة في دراسة تخصصٍ ما، وإنما هي تجربة حياتية تنبض بالخبرات العميقة ، وتمثِّل محطةً فارقةً في حياة الإنسان المبتعث ، فهو في غربة عن الوطن، وانخراط في مجتمع غريب ، غربة دينية، واجتماعية، وسلوكية... حينئذٍ يندفع الطالب في مطلع ابتعاثه للانخراط في المجتمع الجديد، وإنجاز مهمته، غير أنَّ هذه التجربة الفريدة لا بد أن تتحول إلى فرصة ذهبية، وملهمة، ودونكم بعض الخطوط العريضة التي ربما تكون ناجعة في استثمار الابتعاث:
• محاولة إتقان اللغة في بلد الابتعاث، وبذل أقصى الغايات لإتقانها، وملحوظ أن الطالب حين ينتهي من مرحلة تعلم اللغة ويحقق الدرجة المطلوبة لدخول الجامعة تضعف همته عن تعلم اللغة، ولذا وجب أن يكون إتقان اللغة شعاراً للطالب إلى آخر يومٍ في بلد الابتعاث، وأن يسعى في تطبيقها مع أهلها الأصليين، فهذه الفرصة ربما لا تتكرر.
• استثمر وجودك في بلد الابتعاث لمعرفة أنظمة الجامعة، وأبرز ملامح الإيجابية في العمل الأكاديمي، وحاول أن تخصِّص مذكرة لتدوين تلك الملامح الإيجابية، وإمكانية الاستفادة منها في ميدانك الأكاديمي.
• تجارب أساتذتك، ومشرفك حاول أن تَسْتَحْلِبَهَا، وأن تستمع إليها، وإن كَانت خارج فكرتك البحثية، فقربك من أستاذك يتيح لك أن تَسْمَعَ منه تجارب عديدة في الميدان البحثي، ستكون محفزة للإبداع البحثي.
• استثمر الابتعاث بزيارة المكتبات، والجامعات، ولو كانت خارج نطاقك، وإن كلفك ذلك أن تسافر إليها، وتفحص أقسامها العربية، فربما اطلعت على جديد يفيد جامعتك، أو يفيد باحثاً في غير تخصصك.
• إذا كانت لك هواية من الهوايات خارج إطارك الأكاديمي فحاول أن تستفيد من أوقات الترويح للاطلاع على تجارب بلد الابتعاث في مثل هذه الهواية، فإن كنت من هواة الخط، فابحث عن الخطاطين، وإن كنت من هواة التصوير فابحث عن معارض التصوير، وهكذا.
• قارن بين بلدك وبلد ابتعاثك في مجالات الحياة المتفرقة، وحين تجد تجربة مثرية وجديدة دوِّنها، وحين يتفوق بلدك في تجربة فدونها أيضاً، لتكون خبيراً في مقارنة الإيجابيات والسلبيات في مجالات الحياة المختلفة.
• استثمر ابتعاثك لرسم صورة مشرقة عن دينك، ووطنك، ومجتمعك، وغير خاف أن ديننا وبلادنا تتعرض لهجمات إعلامية ظالمة، والمبتعث يمثِّل صوتاً إعلامياً لدينه، وبلاده.
• ومن الاستثمار أن تكتشف البلد الذي ابتعثت إليه، فحاول أن تتعرف على البلاد في أوقات الإجازات، ودوِّن المعلومات حول المناطق التي زرتها، ومايمكن أن يكون مناسباً لأبناء بلدك في قضاء إجازاتهم.
• من المهم أن تكتب مذكراتك في بلد الابتعاث، ابتعد عن مشاغلك، وافتح كراستك، واكتب ملامح كل أسبوع بحلوه ومرّة، وستجد لذة تلك المذكرات بعد عودتك.
إن استثمار الابتعاث يكون باستشعار الفرصة التي تعيشها، والفرص كما يقول علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- تمرُّ مرَّ السحاب، والشاعر يقول:
بادر الفرصة واحذر فوتها....فبلوغ العز في نيل الفرص